طابعة ثلاثية الأبعاد تحاكي طريقة نسج الحشرات لمنازلها

thebug4-e1413537772473

لا بد أن جميع الأشخاص على اختلاف انتمائهم يجمعون أنه يمكن تعلم الكثير من مراقبة الطبيعة، فمثلاً اختراع الفيلكرو –وهو أحد أنواع المشابك التي تبدو مثل الخطاف أو الحلزون- أتى بعد أن عاد رجل يدعى (جورج دي ميسترال) من رحلة الصيد برفقة كلبه الذي كان قد التقط نوعاً من بذور النباتات المزعجة (الأرقطيون) التي التصقت بفروه، ولمعرفة ما الذي يجعل هذه البذور المزعجة تعلق بسهولة على الجوارب والفراء وغيرها من الملابس، قرر ( ميسترال) وضعها تحت المجهر، واكتشف أن السبب الذي يجعلهم يعلقون بهذه الطريقة، هو امتلاكها لما يشبه لخطافات الصغيرة جداً على سطحها، حيث أن هذه الخطافات تعلق على الأقمشة ويصعب ازالتها في كثير من الأحيان، وهذا ما جعل (ميسترال) يصبح رجلاً ثرياً، حيث أنه قام من خلال استعمال مبدأ هذه النباتات باختراع الفليكرو.

أما بالنسبة لتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، فقد بدأت مع (تشاك هال)، وهو أحد مؤسسي شركة (3D Systems)، حيث قام باختراع نظام التجسيم في عام 1986، ليكون بذرة الطباعة ثلاثية الأبعاد فيما بعد، أما المبتكر والمؤسس الحقيقي لهذه التقنية  فهو (إمانويل ساكس) الذي قام باختراع الطابعة الثلاثية الأبعاد في عام 1993.

تعتمد الطباعة ثلاثية الأبعاد على بناء أجزاء المنتج المطلوب طباعته عن طريق إضافة الطبقات الدقيقة فوق بعضها البعض حتى يتم تشكيل المنتج في صورته النهائية، وذلك بعد رسمه على الكمبيوتر بصيغة ثلاثية الأبعاد (3D)، وتتم الطباعة باستخدام مواد مختلفة، ويحدد عدد هذه المواد طبقاً لنوع الطابعة وقوتها وتطورها، وتستخدم الطابعات ثلاثية الأبعاد في العديد من المجالات، فقد أثبتت هذه التقنية فعاليتها في مجالات الطب والهندسة وحتى في البناء، ففي المجالات الطبية استطاعت الطابعات ثلاثية الأبعاد على سبيل المثال توفير أطراف صناعية مطبوعة للأشخاص الذين فقدوا أيديهم أو أرجلهم في حوادث، إضافةً إلى إمكانية زرع بعض الأعضاء المطبوعة الأخرى، أما في مجالات البناء فقد استطاعت الطابعات ثلاثية الأبعاد بناء العديد من النماذج مثل ألعاب الأطفال، وقطع الشطرنج الصغيرة، وحتى السيارات.

إنطلاقاً من مبدأ الحصول على الإلهام من الطبيعة الأم، قام أحد طلاب معهد إلينوي للتكنولوجيا (IIT) والذي يدعى (سيباستيان موراليس) بمحاولة لدمح التكنولوجيا في بعض الأفكار الإبداعية، فإنطلاقاً من الطريقة التي تقوم فيها الطبيعة بصناعة منسوجاتها، قام بصناعة جهاز (The Bug)، وهو عبارة عن طابعة ثلاثية الأبعاد تشبه الروبوت، يمكنها العمل باستخدام الألياف المركبة.

من الواضح أن ابتكار هذه الطابعة الثلاثية الأبعاد التي تقوم بالعمل على الألياف المركبة دفع الكثير من الشركات لمحاولة اقتنائها، فهذه الطابعة قد تفتح الباب للعديد من الاستخدامات الجديدة لتكنولوجيا الطباعة ثلاثية الأبعاد، فكل شيء ابتداءً من الألياف الكربونية، إلى العزل، وإنتاج أجزاء للمحركات ستكون أكثر كفاءة باستعمال هذه التقنية الجديدة.

قام (موراليس) بمحاولة تصنيع طابعة ثلاثية الأبعاد يمكن أن تطبع باستخدام الألياف المركبة والراتنج الحساس للأشعة فوق البنفسجية، وذلك لتصنيع مواد من المحتمل أن تغير الطريقة التي يتم فيها تصنيع الأشياء، وقد أطلق على طابعته إسم “الحشرة” (The Bug)، وهو اسم مناسب تماماً نظراً لأن الآلة تحاكي الطريقة التي تقوم بها الكثير من الحشرات والعناكب بصناعة شباكها وشرانقها، وذلك اعتماداً على خلط العديد من العناصر سوياً، ولكن ما تزال هذه الطابعة تقتصر على تصنيع الطبقات و الربط بينها، مما يجعل الأجزاء الناتجة أضعف بكثير من الأجزاء المماثلة لها من المواد التي يتم تصنيعها بطريقة القولبة أو التصنيع أو الصب، ولكن من المحتمل أن يتم تطوير تقنية عمل هذه الطابعة لتقوم بتصنيع مواد أكثر متانة وصلابة.

بدأ  (موراليس) بمحاولاته لصناعة هذه الطابعة انطلاقاً من طابعة منزلية ثلاثية الأبعاد تم تصنيعها من قبل أحد الطلاب قبل بضع سنوات، حيث قام بإعادة تصنيعها لتتناسب مع المتتطلبات التي يريدها أن تعمل بها، ومن ثم قام بإعدادها لتتقبل خيط القطن كأساس للمادة التي سيتم الطباعة بها، ومن ثم قام بنقع ذلك الخيط في الراتنج الحساس للأشعة فوق البنفسجية، ومن ثم قام بتجهيزه بطريقة يمكن فيها للطابعة أن تقوم بإنتاجه، وبمجرد تشكيل الهياكل من الخيوط على المنصة، يتم تسليط أضواء LED عليها، مما يؤدي إلى اكتساب المادة للقوام الصلب فوراً.

حتى الآن يمكن لهذه الطابعة أن تقوم بتصنيع بعض التصميمات الأساسية جداً، حيث أنها تتبع شبكة ثلاثية الأبعاد، مطبوعة مسبقاً لإنشاء بنية جامدة بحيث يمكن للألياف الأخرى فيما بعد أن ترتبط بها، وحالياً يأمل (موراليس) أن يقوم بتطوير هذا الجهاز أكثر، من خلال استخدام برامج أكثر شمولية يمكن أن تساعد على توليد مسارات جديدة للطباعة تكون أكثر دقة وكفاءة، فإذا ما تم تطوير هذه الطابعة بالطريقة المناسبة، قد تصل إمكانياتها لتكون استثنائية بالنسبة للكثير من المجالات المختلفة.

بالنهاية، فإن تقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد ما تزال في خطواتها الأولى، ولكنها تعد تقنية واعدة، كونها وفرت الكثير من الوقت والجهد، كما أنها قادرة على القيام بالأعمال الدقيقة التي يصعب على البشر القيام بها بدون مساعدة، مثل بعض الطابعات الحديثة التي تستخدم تقنيات نانوية لطباعة أنسجة بشرية حية، ومن يدري، ربما سنصل لمرحلة يمكننا فيها طباعة دماغ بشري عبر هذه الطابعات في المستقبل.