تحذير: هذه التدوينة قاسية ناقدة.

 

قد تدفعك بعض الأمور أحيانا لتخرج عن صمتك لما تشهده من “غرائب تقنية”، لتكتب عنه ولو في عجلة من أمرك،… هذا بالضبط سبب وجود هذه المقالة. لكن قبل ذلك، دعنا نعترف، … التقنية مبهرة، … ساعة ذكية، نظارات ذكية، أنترنت الأشياء، تواصل اجتماعي، تدفق المعلومات لحظيا،… ستنبهر كل ما تعمقت، .. أطر عمل، لغات برمجة، أساليب تطوير، أدوات، فلسفيات…

كل هذه الأمور تدعو إلى الانبهار، لكني لا أتحدث عن هذا، فعلى الأقل ذاك انبهار طبيعي، يحدث في بادئ الأمر ثم يصبح شيئا عاديا مع مرور الوقت، إذا ماذا أقصد ؟  أقصد ذاك الانبهار الناتج عن الإشباع التقني المؤدي إلى الاهتمام المفرط بالوسائل والمنتوجات والإفراط في الغايات منها وتجاهل الأهداف الحقيقية من وراء تلك التقنية.

في غالب الأحيان، ذاك الانبهار سببه الجهل و/أو ترويج الإعلام وتفاعل المجتمع المحيط..

أمثلة: 

  • عاجل: توقف Instagram لبضع ثواني أو دقائق (سيل من الـ hashtags في تويتر التي تتحدث حول الأمر) .
  •     فيسبوك يدرس زيادة الزر الفلاني .
  •   شائعات: سامسونغ ستكشف عن الهاتف الفلاني الشهر القادم

 

لا أدري فعلا ماذا أسمي هذا، لكن أرى أن أقرب وصف له هو السبب المؤدي إليه: الانبهار (المفرط).

 

عاجل؟ متى كان الخبر التقني عاجلا ؟

للأسف، هذا الانبهار نتج عنه:

  • سطحية في معالجة الأمور (التقنية) خاصة في العالم العربي  .
  •  الانشغال والتشعب في تفاهات الأمور.
  •     تشتيت تركيز “القارئ الجاد”.

مثال ذلك أني رأيت من يدعو إلى تغيير جميع كلمات المرور بسبب ثغرة heartbleed من دون سبب أو شرح لتلك الثغرة، وبطريقة يُفهم منها أنه يجب حتى تغيير كلمة مرور نظام تشغيله وغيره…

كذلك صادف اليوم وأن طلب مني أحدهم (ممن لا زاد له ولا باع في التقنية) أن أحدثه عن أولائك الأشخاص الخارقين الذين باستطاعتهم اختراق أي حاسوب، كيف وصلوا لذلك المستوى وكيف يمكنهم ذلك (يقصد المخترقين)…

مجتمع ينظر للمخترقين على أنهم عباقرة أبطال في حين قد يكون المعني بالأمر مجرد script kiddie user…

مثاله أيضا حين تم إطلاق شبكة 3G في الجزائر، فرط الإعلام جعل المواطنين يحلمون بهذه التقنية، ثم لما أطلق يفسرون بَدَاهَةً أن كلمة “غير محدود” التي يستعملها مزودو الخدمة في إعلاناتهم يُقصد بها تحميل لا نهائي مثل ADSL المنزل، … ويصعب عليهم استيعاب الأمر (شخصيا عانيت لكي أوصل المفهوم للكثير منهم …) .

ولو أردنا الارتقاء في الانبهار، سنجده حتى بين المبرمجين، كالـ fan boys الذين ينبهرون بما تطلقه شركتهم المفضلة، أو أولاءك الذين يراهنون على javascript و node.js وأنه من لا يستعملهما أو لا ينوي فعل ذلك فليعلم أن Java هي التي منعته… من دون تبرير تقني لخياراته البرمجية فقط ﻷنه the new cool thing.  ماذا أقصد بسطحية النقاشات والعقليات الناتجة عن ذلك ؟  تجد من يدافع عن مثلا Node.js من المنبهرين، أن الشركة الفلانية والعلانّية يستعملونه، في حين تجد النقاشات الجادة تدور حول الـ benchmarks، deployments، design patterns، code-reuse، security, learning curve،…الخ.

قد يتحول الانبهار أيضا إلى هاجس، فتجد من يقول أن الـ bitcoin مؤامرة ماسونية من دون أن يدعم أقواله بحقائق… لست أدافع عن الـ bitcoin، لكن يجب النظر في الأمور وإعطاء كل ذي حق حقه…  من مظاهر الانبهار التقني أيضا أنه انتصرنا على الممل وهذه مشكلة (تدوينة ذات صلة بالموضوع أنصح بقراءتها).

هذه المظاهر لا تقتصر على العرب فقط، فحتى الغرب يعانون منها، لكن الفارق هو التخصص عندهم، فلو قارنت مثلا بين Mashable وhackernews فستركز وتتابع الأخير، وتستمتع بمستوى نقاشاته لدرجة تغنيك عن الأول.

لكن للأسف في العالم العربي هناك من يخلط الصالح مع الطالح من مواقع وأشخاص، تجعلك تعيد التفكير في جدوى متابعتهم.

ولما أكتب عن هذا وأتذمر؟  ببساطة ﻷنه أصبحنا في وقت تلوث معلوماتي، وهذه الضوضاء التي نتلقاها كل يوم تؤثر سلبا على الفرد في عدم تخصصه في ما يجب أن يتخصص فيه، تشتت انتباهك وتحول تركيزك الذهني الثمين وبالتالي تجد نفسك مع الوقت أنه قلت مردوديتك بسبب أنك جعلت الكثير من التفاهات هي ديدنك أو أعطيتها شيئا من وقتك قاطعا بها تركيزك في مهمتك الحالية.

الأصعب هو استرجاع نفس مستوى التركيز الذي كنت عليه قبل ذاك التشتت …

فإن كنت كاتبا تقنيا، فاعلم أن استحواذ الشركة الفلانية على أخرى ناشئة أو توقف Instagram لفترة وجيزة ليس مسألة حياة أو موت..

فتحرى الموضوعية وكن حليما.. فقد تشتت انتباه الكثير من “القراء الجادين” بخبر قد لا يهمهم…

وإن كنت قارئا متابعا، فتحرى من تتابعهم واحرص على وقتك، نوعية وكمية المعلومات اليومية التي تتلقاها، ﻷنها قد تضر بذهنك ومادتك الرمادية ..

في الأخير وقبل أن أنسى…

قريبا:

وكالة NSA تملك أرشيف أحلامك وكوابيسك وثبت أنها استغلت ثغرة mindbleed خفية قبل عدة سنوات من الإعلان عنها…

كم هو مبهر WordPress، جعلني أكتب هذه التدوينة في وقت وجيز…